فصل: تفسير الآية رقم (10):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (165):

{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} أي: يخلف بعضكم بعضًا، أو خلفاء الله في أرضه؛ تتصرفون فيها بإذنه، على أن الخطاب عام، أو خلفاء الأمم السابقة، على أن الخطاب للمسلمين، {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} في الشرف والغناء والقوة والجاه، وفي العلوم والأعمال والأحوال والإخلاص والمعارف، وغير ذلك مما يقع به التفاضل بين العباد، {ليبلوكم فيما آتاكم} أي: ليختبر شكركم على ما أعطاكم، وأعمالَكم فيما مكنكم فيه من الخلافة.
{إن ربك سريع العقاب} لمن كفر نعمه، إما في الدنيا لمن عجل أخذه؛ لأن كل آت قريب، {وإنه لغفور رحيم} لمن شكر نعمه وآمن وعمل بطاعته، جمع بين التخويف والترجيه ليكون العبد بينهما. وبالله التوفيق.
الإشارة: من شرف هذا الآدمي أن جعله خليفة عنه، في ملكه، يتصرف فيه بنيابته عنه، ثم إن هذا التصرف يتفاوت على قدر الهمم، فبقدر ما ترتفع الهمة عن هذا العالم يقع للروح التصرف في هذا الوجود، فالعوام إنما يتصرفون فيما ملَّكهم الله من الأملاك الحسية. والخواص يتصرفون بالهمة في الوجود بأسره، وخواص الخواص يتصرفُون بالله، أمرُهم بأمر الله، إن قالوا لشيء: كن يكون بإذن الله، مع إرادة الله وسابق علمه وقدره، وإلا فالهمم لا تخرق أسوار الأقدار، والحاصل: أن من بقي مع الأكوان شهودًا وافتقارًا، كان محبوسًا معها، ومن كان مع المكون كانت الأكوان معه، يتصرف فيها بإذن الله، خليفة عنه فيها، وهم متفاوتون في ذلك كما تقدم.
وقال تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} أي: خلفاء عنه تتصرفون في الوجود بأسره بأرواحكم، وأنتم في الأرض بأشباحكم، {ورفع بعضكم فوق بعض درجات}؛ من أقطاب وأوتاد ونجباء ونقباء وغير ذلك، مما هو مذكور في محله. خرطنا الله في سلكهم ومنحنا ما منحهم، بمنَّه وكرمه، وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حبيبه ونبيه. آمين والحمد لله رب العالمين.

.سورة الأعراف:

.تفسير الآية رقم (1):

{المص (1)}
إما أن تكون مختصرة من المصطفى، على عادة العشاق؛ يرمزون إلى ذكر بعض حروف المحبوب، اتقاء الرقباء، أي: يا أيها المصطفى المختار لرسالتنا؛ هذا كتاب أنزل إليك، وإما أن تشير إلى العوالم الثلاثة: الجبروت والملكوت والملك. وزاد هنا الصاد، إشارة إلى صدقه فيما يُخبر به من علم الغيوب، ولذلك ذكر هنا جملة من القصص والأخبار.
وقال الورتجبي: كان الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يتكلم مع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بقصص الأنبياء، وما جرى عليهم في الدهور والأعصار، وشأنه معهم في الأسرار والحقائق والشرائع، وأراد أن يخصه صلى الله عليه وسلم بشريعته، وما يكون من طريقته الخاصة إلى حضرته، ويخبره بما كان وما يكون، أشار إلى هذه الأشياء بحروف التهجي، واعلمه سر ذلك بخفي الإشارة ولطيف الخطاب، وعلم تعالى أنه عليه الصلاة والسلام يعرف بتلك الإشارة مراده من علم سابق، ونبأٍ صادق، وعلم تعالى أن عموم أمته لا تعرف تلك الإشارة، فعبَّر عنها بسورة طويلة من القرآن؛ ليعرفوا مراده سبحانه من خطابه، وخواص أمته ربما تطلع على سر بعضها، كالصحابة والتابعين والمتقدمين من العلماء والأولياء، كأنَّ حروف المقطعات رموز ومعاني سور القرآن، لا يعرف تلك الرموز إلا الربانيون والأحبار من الصديقين. اهـ.

.تفسير الآية رقم (2):

{كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)}
قلت: {كتاب}: خبر، أي: هذا كتاب، و{أُنزل}: صفته، والحرج: الضيق، و{لتنذر}: متعلق بأُنزل، أو بلا يكن، لأنه إذا أيقن أنه من عند الله جسر على الإنذار، وكذا إذا لم يخفهم، و{ذكرى}: يحتمل النصب بإضمار فعل، أي: لتُنذر ولتذكر ذكرى، والجر عطف على {لتنذر}، أي: للإنذار والتذكير، والرفع عطف على {كتاب}.
يقول الحقّ جلّ جلاله: هذا {كتابٌ أُنزل إليك} من ربك، {فلا يكن في صدرك حرجٌ منه} أي: ضيق وثقل من أجل تبليغه لمن يُكذب به، مخافة أن تكذّب فيه، أو مخافة أن تقصر على القيام بتبليغه، أو بحقوقه، وتوجيه النهي إلى الحرج للمبالغة، كقولك: لا أرينك ها هنا، كأنه قال: فلا يحرج صدرك منه، وإنما أنزلناه إليك لتُنذر به من بلغه، {وذكرى للمؤمنين} أي: وتذكيرًا وموعظة للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بمواعظة.
الإشارة: تذكير أهل الإنكار ووعظهم يحتاج إلى سياسة كبيرة وحلم كبير وصبر عظيم، لا يطيقه إلا الأكابر من أهل العلم بالله؛ كالأنبياء والصديقين، لسعة معرفتهم، واتساع صدورهم لحمل الجفاء وتحمل الأذى، ونهيه تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام عن ضيق صدره: تشريع لورثته من بعده؛ الداعون إلى الله عز وجل وإلاَّ فهو صلى الله عليه وسلم بحر واسع، لا تكدره الدِّلاءُ، كما قال البوصيري:
فَهو البَحرُ والأَنَامُ إِضاء

والله تعالى أعلم.

.تفسير الآية رقم (3):

{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)}
قلت: {قليلاً}: صفة لمصدرٍ، أو زمانٍ محذوف، أي: تتذكرون تذكرًا قليلاً، أو زمانًا قليلاً، والعامل فيه: تذكرون، و{ما}: زائدة لتأكيد القلة.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {اتَّبِعُوا} أيها الناس {ما أُنزل إليكم من ربكم} من أحكام القرآن والسنة؛ إذ كله وحي يوحى، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النّجْم: 3]، {ولا تتبعوا من دونه} أي: الله، {أولياءَ} من الجن والإنس يضلونكم عن دينه، أو: ولا تتبعوا من دون ما أنزل إليكم أولياء، تتبعونهم فيما يأمرونكم به وينهونكم، وتتركون ما أنزل إليكم من ربكم، {قليلاً ما تذكَّرون}: تتعظون حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره، بعد كما إنذاره ووضوح تذكاره، وذلك لانطماس البصيرة وعمي القلوب، والعياذ بالله.
الإشارة: اتباع الحبيب في أمره ونهيه يدل على صحة دعوى المحبة، ومخالفته يدل على بطلانها.
تَعصِي الإله وأنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ ** هذَا محَالٌ في القِيَاسِ بَدِيعُ

لَو كانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأطَعتَهُ ** إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ

وجمع المحبة في محبوب واحد يدل على كمالها، وتفرق المحبة يدل على ضعفها، ولذلك قال الشاعر:
كَانَت لَقلبِي أهواءٌ مُفرَّقةٌ ** فَاستَجمَعَتْ مُذ رَأتكَ العَيْنُ أهوائي

فلا تجتمع المحبة في محبوب واحد إلا بعد كمال معرفة المحبوب، وشهود أنوار جماله وكمال أسراره. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (4- 7):

{وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)}
قلت: {كم}: خبرية، مفعول {أهلكنا}، وهو على حذف الإرادة، أي: في الحال أردنا إهلاكها، و{بياتًا أو هم قائلون}: حالان، أي: بائتين أو قائلين، وأغني الضمير في {هم} عن واو الحال.
يقول الحقّ جلّ جلاله: كثيرًا من القرى {أهلكناها} لما عصت أمرنا، وخالفت ما جاءت به رسلنا، {فجاءها بأسُنَا} أي: عذابنا {بياتًا} أي: ليلاً، كقوم لوط؛ قلبت مدينتهم، عاليها سافلها، وأرسلت عليهم الحجارة بالسَّحَر، {أو هم قائلون} نصف النهار، كقوم شعيب، نزلت عليهم نار فأحرقتهم، وهو عذاب يوم الظلمة، وإنما خص الوقتين؛ لأنهما وقت دعة واستراحة، فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع.
{فما كان دعواهم} أي: دعاؤهم واستغاثتهم حين جاءهم بأسنا، {إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} أي: إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه، تحسرًا، أو: ما كان دعاؤهم إلا قولهم: {يَا وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء: 14، 15]: ميتين، فإذا أحييناهم وبعثناهم من قبورهم، فوالله {لنسألن الذين أُرسل إليهم} عن قبول الرسالة وإجابة الرسل، {ولنسألن المرسلين} عما أُجيبوا به، والمراد بهذا السؤال: توبيخ الكفرة وتقريعهم، وأما قوله تعالى: {وَلاَ يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القَصَص: 78]، فالمنفي: سؤال استعلام؛ لأن الله أحاط بهم علمًا، أو الأول في موقف الحساب، وهذا عند حصول العقاب.
{فلَنقصَّنَّ عليهم} أي: على الرسل والأمم، فنقص على الرسل ما قُوبلوا به من تصديق أو تكذيب، وعلى الأمم ما قابلوا به الرسل من تعظيم أو إنكار، أو فلنقص على الرسل ما علمنا من قومهم حين يقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [المَائدة: 109]. نقص ذلك عليهم {بعلْمٍ} وتحقيق؛ لاطلاعنا على أحوالهم، وإحاطة علمنا بسرهم وعلانيتهم. {وما كنا غائبين} عنهم، فيخفى علينا شيء من أحوالهم، بل كنا حاضرين لديهم، محيطين بسرهم وعلانيتهم.
الإشارة: ما أهلك الله قومًا وعذبهم إلا بتضييع الشرائع أو إنكار الحقائق، فمن قام بهما معًا كان مصحوبًا بالسلامة، موصوفًا بالكرامة في الدارين، ومن ضيعهما أو أحدهما لحقه الوبال في الدارين، فإذا لحقه إهلاك لم يسعه إلا الإقرار بالظلم والتقصير، حيث فاته الحزم والتشمير، فإذا ندم لم نفعه الندم، حيث زلت به القدم، فالبدارَ البدارَ إلى التوبة والانكسار، والتمسك بشريعة النبي المختار، والتحقق بمعرفة الواحد القهار، وصحبة الصالحين الإبرار، والعارفين الكبار، قبل أن تصير إلى قبرك فتجده إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار.
وكما أن الحق تعالى يسأل الرسل عما أُجيبوا به، يسأل خلفاءهم وهم الأولياء والعارفون عما إذا قُوبلوا من تعظيم أو إنكار، فيرفع من عظمهم في أعلى عليين، ويحط من أنكرهم في محل أهل اليمين. وبالله التوفيق.

.تفسير الآيات (8- 9):

{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)}
قلت: {الوزن}: مبتدأ، و{يومئذٍ}: خبره، و{الحق}: صفته، أي: الوزن العدل حاصل يومئذٍ.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {والوزن} أي: وزن الأعمال، على نعت الحق والعدل، حاصل يوم القيامة، حين يسأل الرسل والمُرسل إليهم. والجمهور على أن صحائف الأعمال تُوزن بميزان له لسان وكفتان، ينظر إليه الخلائق؛ إظهارًا للمعدلة وقطعًا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم، ويؤيده ما رُوِي: «أن الرجل يُؤتى به إلى الميزان، فيُنشَر عليه تسعَةٌ وتِسعُونَ سِجلاًّ، كُلُّ سِجِلًّ مَد البَصَرِ، فَتُخرَحُ لَهُ بطَاقة فِيهَا كَلِمةُ الشهَادِة، فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفةٍ، والبطاقة في كفّة، فَتثقُل البطاقةُ، وتَطِيشُ السِّجلاَّتُ».
وقيل: توزن الأشخاص؛ لما رُوِي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّهُ ليأتِي العَظِيمُ السَّمِينُ يَومَ القِيَامَة لا يَزنُ عندَ اللهِ تَعالى جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» والتحقيق: أن المراد به الإهانة والتصغير، وأنه لا يساوي عند الله شيئًا؛ لاتباعه الهوى.
ثم فصل في الأعمال فقال: {فمن ثَقُلَتْ موازينه} أي: حسناته، أو الميزان الذي يوزن به حسناته، وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن، فعلى الأول هو جمع موزون، وعلى الثاني جمع ميزان، فمن رجحت حسناته {فأولئك هم المفلحون} الفائزون بالنجاة والثواب الدائم، {ومن خفّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسَهُمْ} بتضييع الفطرة السليمة التي فُطِروا عليها، واقتراف ما عرضها للهلاك، {بما كانوا بآياتنا يَظلمُون} حيث بدلوا التصديق بها بالتكذيب، والعمل فيها بالتفريط. نسأل الله تعالى الحفظ.
الإشارة: العمل الذي يثقل على النفس كله ثقيل في الميزان؛ لأنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقًا، والعمل الذي يخف على النفس كله خفيف؛ لأنه فيه نوع من الهوى؛ إذ لا يخف عليها إلا ما لها فيه حظ وهوى، وفي الحكم: (إذا التبس عليك أمران، فانظر أثقلها على النفس فاتبعه؛ فإنه لا يثقل عليها إلا بما كان حقًا). وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله ما ثقل ميزان عبد إلا باتباعه الحق، وما خف إلا باتباعه الهوى. قال تعالى: {والوزن يومئذٍ الحق}. اهـ. بمعناه ذكره في القوت. وهذا في غير النفس المطمئنة، وأما هي فلا يثقل عليها شيء، وقد يثقل عليها الباطل، ويخف عليها الحق، لكمال رياضتها. والله تبارك وتعالى أعلم.

.تفسير الآية رقم (10):

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد مكناكم في الأرض}؛ تتصرفون فيها بالبناء والسكن، والغرس والحرس والزرع، وغير ذلك من أنواع التصرفات، {وجعلنا لكم فيها معايش}: أسبابًا تعيشون بها؛ كالتجارة وسائر الحرف، {قليلاً ما تشكرون} على هذه النعم، فتقابلون المنعم بالكفر والعصيان، فأنتم جديرون بسلبها عنكم، وإبدالها بالنقم، لولا فضله ورحمته.
الإشارة: نعمة التمكين في الأرض متحققة في أهل التجريد، والمنقطعين إلى الله تعالى، فهم يذهبون في الأرض حيث شاؤوا، ومائدتهم ممدودة يأكلون منها حيث شاؤوا، فهم متمكّنون من أمر دينهم؛ لقلة عوائدهم، ومن أمر دنياهم؛ لأنها قائمة بالله، تجري عليهم أرزاقهم من حيث لا يحتسبون، تخدمهم ولا يخدمونها؛ يا دنياي اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك. فمن قصّر منهم في الشكر توجه إليه العتاب بقوله: {ولقد مكناكم في الأرض} إلى قوله: {قليلاً ما تشكرون}، ومن تحقق شكره قيل له: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ} [القصص: 5، 6]. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (11- 18):

{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد خلقناكم} أي: خلقنا أباكم آدم طينًا غير مصور، {ثم صوّرناكم} أي: صوّرنا خلقة أبيكم آدم. نزَّل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره؛ لأنه المادة الأصلية، أي: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه، {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} تعظيمًا له، حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم، واختبارًا له ليظهر من يخضع ممن لم يخضع، {فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} لآدم.
{قال} له الحق تبارك وتعالى: {ما منعك ألا تسجد} أي: تسجد، فلا: زائدة، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبَّخ عليه ترك السجود، وقيل: الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه، فكأنه قال: ما اضطرك إلى ترك السجود {إذ أمرتك}.
وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور، فأجاب بقوله: {قال أنا خيرٌ منه}، أي: المانع لي من السجود هو كوني أنا خير منه، ولا يحسُنُ للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسُن أن يؤمر به، فإبليس هو الذي سنَّ التكبر، وقال بالتحسين والتقبيح العقليين أولاً، وبهذا الاعتراض كفر إبليس؛ إذ ليس كفره كفر جحود.
ثم بيَّن وجه الأفضلية، فقال: {خلقتني من نار وخلقته من طين}، فاعتقد أن النار خيرٌ من الطين، وقد غلط في ذلك، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار النتائج والثمرات، لا باعتبار العنصر والمادة فقط، ولا شك أن الطين ينشأ منه ما لا يحصى من الخيرات؛ كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه.
قال البيضاوي: رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [صَ: 75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة، كما نبه عليه بقوله تعالى: {ونفخت فيه من روحي} وباعتبار الغاية، وهو ملاكه، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له؛ لما تبين لهم أنه أعلم منهم، وأنه له خواصًا ليست لغيره. اهـ.
ولما تبين عناده قال له تعالى: {فاهبط منها} أي: من السماء أو من الجنة، {فما يكونُ لك} أي: فما يصح لك {أن تتكبَّر فيها} وتعصى؛ فإنها موطن الخاشع المطيع، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة، فإنه تعالى إنما أنزله وأهبطه؛ لتكبره لا لمجرد عصيانه، {فاخرج إنك من الصاغرين} أي: ممن أهانه الله لتكبره. قال صلى الله عليه وسلم: «مَن تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ الله، ومَن تَكَبَّر وَضَعَه الله».
ولما تحقق إبليس أنه مطرود، سأل الإمهال فقال: {أنظرني} أي: أخزني، {إلى يوم يُبعثون} فلا تمتني، ولا تعجل عقوبتي، {قال إنك من المنظرين}؛ يقتضي أنه أجابه إلى ما سأل، لكنه محمول على ما في الآية الأخرى: {إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الحِجر: 38]؛ وهو نفخ الصور النخة الأولى، {قال فبِمَا أغويتني} أي: بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني، بسبب إغوائك إياي، والله {لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم}، وهو الطريق الذي يوصلهم إليك، فأقعد فيه، وأردهم عنه، {ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم}؛ فآتيهم من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه.
قال ابن عباس: {من بين أيديهم}: الدنيا يُزيّنها لهم، {ومن خلفهم}: الآخرة يُنسيها لهم، {وعن أيمانهم}: الحسنات يُثبطهم عنها، {وعن شمائلهم}: السيئات يُزينها في أعينهم. اهـ. ولم يجعل له سبيلاً من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم؛ لأن الرحمة تنزل من أعلى، فلم يحل بينهم وبينها، والإتيان من تحت موحش، وأيضًا: السفليات محل للتواضع والخشوع، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: (لإنَّ فوق: التوحيد، وتحت: الإسلام، ولا يمكن أن يأتي من توحيد ولا إسلام).
ثم قال تعالى: {ولا تجدُ أكثرَهم شاكرين}؛ مطيعين، قال بعض الصوفية: (لو كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس)؛ فالشكر أعظم المقامات، وهو الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس، والشكر: هو إلا يُعصى الله بنعمه، أو: صرف الجوارح كلها في طاعة الله، أو رؤية المنعم في النعمة، وإنما قال إبليس ذلك؛ ظنًا لقوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} [سَبَأ: 20]، وسيأتي في الإشارة حقيقته.
{قال} تعالى لإبليس: {اخرج منها}؛ من السماء أو الجنة، {مذءومًا} أي: مذمومًا، من ذامه، أي: ذمه، {مدحورًا} أي: مطرودًا. والله {لمن تَبِعَكَ منهم} في الكفر {لأملانَّ جهنم منكم أجمعين} أي: منك وممن تبعك.
تنبيه: ذكر الفخر الرازي، في تفسيره، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم، فقال لهم: إني أسلم أن الله خالقي وموجدي، وهو موجد الخلق، ولكن لي على حكمته أسئلة: الأول: ما الحكمة في إيجاد خلقه، لاسيما وكان عالمًا بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود عليه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غيره واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته، فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته فلمَ لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره منه، وفيه أعظم الضرر؟ الخامس: لما فعل ذلك فلِمَ مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوسة آدم؟ السادس: ثم لما فعل ذلك، فلم سلطني على أولاده. ومكنني من إغوائهم وإظلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم أن العالم لو كان خاليًا من الشر لكان ذلك خيرًا. اهـ. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله إليه من سرادقات الكبرياء: إنك ما عوفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض عليَّ في شيء من أفعالي، فأنا الله لا إله إلا أنا لا أُسألُ عما أفعل.
قال الشهرستاني: اعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصًا، أما إذا أجبنا بما أجاب به الحق سبحانه زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات. اهـ. قلت: من تشمرت فكرته بنور المعرفة، وعرف أسرار الحكمة والقدرة، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار:
أما الحكمة في أيجاد خلقهم؛ فخلقهم ليعرف بهم. وفي الحديث القدسي: «كنت كنزًا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقًا لأعرف بهم»، وليظهر بهم آثار قدرته وأسرار حكمته. وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه المنتقم.
أما فائدة التكليف؛ فلتقوم الحجة على العبيد، وليتميز من يستحق الإحسان ممن يستحق العذاب، فإذا عذبه لم يكن ظالمًا له؛ {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، ولتظهر صورة العدل في الجملة. وأما تكليفه بالسجود لآدم؛ فلأنه ادعى المحبة، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه، ولا تصعب إلا في الخضوع للجنس، أو مَن دونه، فأمره بالسجود لمن دُونه في زعمه؛ ليظهر كذبه في دعوى محبته، وأما لعنه وطرده؛ فهو جزاء من كذب وعصى. وهذا الطرد كان في علمه تعالى، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات، فكان امتناعه واعتراضه سببًا لإظهار ما سبق له في علم الله، كما كانت وسوسته لآدم سببًا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. وأما تمكينه من دخول الجنة؛ فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه؛ لأن الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببًا. أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلاً تمسح به أوساخ الأقدار؛ إذا إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كما نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس؛ أدبًا مع الحضرة.
وأما إمهاله؛ فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم. وقوله: (معلوم أن العالم لو كان خاليًا من الشر لكان ذلك خيرًا)، مغالطة؛ لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير الشر، وبهما وقع التجلي والظهور؛ ليظهر آثار أسمائه تعالى؛ فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله: (إنك ما عرفتني...) الخ.. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الأكوان ظاهرها أغيار، وباطنها أنوار وأسرار، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار، ولعل إبليس لم في حال الأمر بالسجود من آدم إلا الأغيار، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار.